أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
75
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قال الشيخ « 1 » : « ولا يتعيّن ما ذكر من كونهما جملتين معترضين ، لأنه يحتمل أن يكون « وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى » في هذه القراءة من كلامها ، ويكون المعترض جملة واحدة كما كان من كلامها في قراءة من قرأ : « وضعت » بضم التاء بل ينبغي أن يكون هذا المعيّن لثبوت كونه من كلامها في هذه القراءة ، ولأن في اعتراض جملتين خلافا ، مذهب أبي علي أنه لا تعترض جملتان ، وأيضا تشبيهه هاتين الجملتين اللتين اعترض بهما على زعمه بين المعطوف والمعطوف عليه بقوله : وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ليس تشبيها مطابقا للآية لأنه لم تعترض جملتان بين طالب ومطلوب ، بل اعترض بين القسم الذي هو : فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وبين جوابه الذي هو : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ بجملة واحدة ، وهي قوله : وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ لكنه جاء في جملة الاعتراض بين بعض أجزائه وبعض اعتراض بجملة وهو قوله : لَوْ تَعْلَمُونَ اعترض به بين المنعوت الذي هو « لقسم » وبين نعته الذي هو « عظيم » ، فهذا اعتراض في اعتراض ، فليس فصلا بجملتي اعتراض كقوله : « وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ ، وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى » قلت : والمشاحّة بمثل هذه الأشياء ليست طائلة ، وقوله « ليس فصلا بجملتي اعتراض » ممنوع ، بل هو فصل بجملتي اعتراض ، وكونه جاء اعتراض في اعتراض لا يضرّ ذلك ولا يقدح في قوله : « فصل بجملتين » . و « سمّى » يتعدّى لاثنين ، أحدهما بنفسه وإلى الآخر بحرف الجر ، ويجوز حذفه ، تقول : سمّيت ابني زيدا والأصل : بزيد ، قال الشاعر يجمع بين الأصل والفرع : 1249 - وسمّيت كعبا بشرّ العظام * وكان أبوك يسمّى الجعل « 2 » أي : يسمّى بالجعل . وقد تقدّم الكلام في « مَرْيَمَ » واشتقاقها ومعناها وكونها من الشاذ عن نظائره . قوله : وَإِنِّي أُعِيذُها » عطف على إِنِّي سَمَّيْتُها ، وأتى هنا بخبر « إنّ » فعلا مضارعا دلالة على طلبها استمرار الاستعاذة دون انقطاعها ، بخلاف قوله : « وَضَعَتْها و سَمَّيْتُها » حيث أتى بالخبرين ماضيين لانقطاعهما ، وقدّم المعاذ به على المعطوف اهتماما به . وفتح نافع ياء المتكلم قبل هذه الهمزة المضمومة ، وكذلك كلّ ياء وقع بعدها همزة مضمومة إلا موضعين ، فإنّ الكلّ اتفقوا على سكونها فيهما : بِعَهْدِي أُوفِ « 3 » آتُونِي أُفْرِغْ « 4 » ، والباقي عشرة مواضع ، هذا الذي في هذه السورة أحدها . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 37 ] فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 37 ) قوله تعالى : فَتَقَبَّلَها : الجمهور على « تقبّلها » فعلا ماضيا على تفعّل بتشديد العين ، و « رَبُّها » فاعل به . وتفعّل يحتمل وجهين ، أحدهما : أن يكون بمعنى المجرد أي : فقبلها ، بمعنى رضيها مكان الذّكر المنذور ، ولم يقبل أنثى منذورة مثل مريم ، كذا جاء في التفسير ، وتفعّل يأتي بمعنى فعل مجردا نحو : تعجّب وعجب من كذا ، وتبرّأ وبرئ منه .
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 2 / 440 . ( 2 ) البيت للأخطل انظر ديوانه ( للكميت ) ، الخزانة 1 / 415 ، المؤتلف والمختلف ( 84 ) . ( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 40 ) . ( 4 ) سورة الكهف ، آية ( 96 ) .